السيد عبد الله الشبر

46

تسلية الفؤاد في بيان الموت والمعاد

الآخرة على ما كانوا يوعدون ، فغير موصوف ما نزل بهم ، اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت ، ففترت لها أطرافهم ، وتغيرت لها ألوانهم ، ثم ازداد الموت فيهم ولوجا فحيل بين أحدهم وبين منطقة ، وإنه لبين أهله ينظر ببصره ويسمع بأذنه على صحة من عقله وبقاء من لبه ، ويفكر فيم أفنى عمره ؟ وفيم أذهب دهره ؟ ويتذكر أموالا جمعها أغمض في مطالبها وأخذها من مصرحاتها « 1 » ومشتبهاتها قد لزمته تبعات جمعها وأشرف على فراقها ، تبقى لمن وراءه ينعمون بها « 2 » ، فيكون المهنأ « 3 » لغيره والعبء على ظهره ، والمرء قد غلقت رهونه بها ، يعض يده ندامة على ما أصحر له عند الموت من أمره ؛ ويزهد فيما كان يرغب فيه أيام عمره ، ويتمنى أن الذي كان يغبطه بها ويحسده عليها قد حازها دونه ، فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتى خالط لسانه سمعه « 4 » ، فصار بين أهله لا ينطق بلسانه ولا يسمع بسمعه ، يردد طرفه بالنظر في وجوههم ، يرى حركات ألسنتهم ولا يسمع رجع كلامهم ، ثم ازداد الموت التياطا « 5 » فقبض بصره كما قبض سمعه ، وخرجت الروح من جسده فصار جيفة بين أهله ، قد أوحشوا من جانبه وتباعدوا من قربه ، لا يسعد باكيا ولا يجيب داعيا ؛ ثم حملوه إلى مخطّ في الأرض وأسلموه فيه إلى عمله ؛ وانقطعوا عن زورته حتى إذا بلغ الكتاب أجله « 6 » . بيان : ما كانوا يجهلون أي من تفصيل أهواله وسكراته ، أو لعدم استعدادهم له كأنهم جاهلون ؛ والولوج الدخول ؛ والمصرحات يحتمل الحلال الصريح والحرام الصريح ، والعبء بالكسر الحمل « 7 » ، ويقال :

--> ( 1 ) الصرح : الخالص من كل شيء . ( 2 ) الموجود في النهج : ينعمون فيها ويتمتعون بها . ( 3 ) المهنأ : ما أتاك من خير بلا مشقة . ( 4 ) خالص لسانه سمعه : شارك السمع اللسان في العجز عن أداء وظيفته . ( 5 ) التياطا به : أي التصاقا به . ( 6 ) نهج البلاغة ج 1 ص 237 خطبة رقم 108 وللخطبة صدر وذيل . ( 7 ) أي الثقل .